يرى كثير من المستشفيات الألمانية في علاج المرضى الأجانب وسيلةً لتحقيق «إيرادات خارج الميزانية». غير أنّ أعداد المرضى الأجانب لم تكن ثابتة في السنوات الأخيرة، بل تراجعت فعلياً عند النظر إلى العقد المنصرم. ويعود ذلك، إلى جانب المؤثرات السياسية، إلى غياب المفاهيم الاستراتيجية داخل المستشفيات. وإذا أرادت ألمانيا أن تعيد ترسيخ مكانتها على المدى الطويل وبنجاح في علاج المرضى الأجانب، فلا بدّ أن يصبح علاج المرضى الدوليين من مسؤوليات الإدارة العليا.

يُعدّ إنشاء أقسام دولية وتوظيف كوادر متعددة اللغات في المستشفيات الألمانية خطوةً أولى مهمة. كما يجب الحرص على وضع إجراءات تشغيل معيارية (SOPs) تضمن سلاسة سير العمل، وربط خطوات العمل بالجهات المعنية الصحيحة داخل المؤسسة.

الاستراتيجية أولاً

غير أنّ هذا وحده لا يكفي. بل لا بدّ من إرساء مفهوم على المستوى الاستراتيجي تُوجَّه إليه العمليات التشغيلية. وينبغي إشراك موظفين مختصّين ومستشارين خارجيين في بلورة هذه الاستراتيجية. وعلى المستشفيات أن تمتلك تصوّراً دقيقاً لأهدافها: كم عدد المرضى الأجانب الذين يمكننا رعايتهم ضمن طاقتنا الاستيعابية؟ وما التخصصات الأكثر جاذبية؟ وما الخدمات غير الطبية التي نرغب في تقديمها؟

هذه الأسئلة وغيرها الكثير من المسائل المهمة يجب أن تُحسَم. ولكي لا يتعارض ناتج هذا العمل في نهاية المطاف مع سائر أهداف المستشفى، ينبغي أن تواكب الإدارة هذه العملية؛ إذ يقع لاحقاً على عاتق الإدارة أيضاً توفير الميزانية اللازمة لبلوغ هذه الأهداف.

ويجب أن تشمل الاستراتيجية الشاملة كذلك التسويق واستكشاف السوق. ففي عام 2013، استعان 81.1% من المستشفيات في ألمانيا بوسطاء المرضى لاستقطاب المرضى الأجانب. ولا غبار على ذلك من حيث المبدأ، غير أنّ المستشفيات تدخل بذلك في تبعيةٍ لا تتيح لها الاستثمار في رعاية المرضى الأجانب، أو تجعله على الأقل أكثر مخاطرة.

التسويق

يُنصَح باعتماد مزيج من التسويق وتطوير الأعمال. فالجمع بين الأساليب القائمة على الإنترنت والمشاركة في المعارض والتواصل الشخصي المباشر يضمن ألّا يعتمد المستشفى اعتماداً حصرياً على وكالات المرضى.

وقد كانت المشاركة في المعارض في ما مضى أداةً مفضّلة جداً لاستكشاف السوق، لكنّ كثيرين باتوا يتساءلون عن جدواها، وبخاصة منذ جائحة كوفيد-19. والواقع أنّ فعاليتها قد تراجعت مقارنةً بالماضي. غير أنّ اختيار المعارض والفعاليات المناسبة والجمع بينها وبين فعاليات ذاتية التنظيم داخل البلاد يتيح نسج علاقات تدوم، بحكم تجربتي الشخصية، عقوداً من الزمن.

وتتطلّب هذه الإجراءات استثماراتٍ وتوافر عددٍ كافٍ من الموظفين. وكثيراً ما يكون الحاضرون في هذه الفعاليات هم أنفسهم الموظفون الذين يُفترض أصلاً أن يتولّوا معالجة الطلبات داخل البلاد. ولهذا السبب أيضاً يُطلب من الإدارة توفير الموارد المناسبة.

التعاون مع وكالات المرضى

إنّ التعاون مع وكالات المرضى أمر مهم وله مكانة عالية عن جدارة. غير أنه يجب الحرص على أن تكون هذه الشراكات مشروعة وبنّاءة. والإشكال هنا كثيراً ما يكمن في الصورة التي تنشأ في بهو المستشفى وقاعات الانتظار. فعند التعاون مع عدة وكالات للمرضى، كثيراً ما يبدو بهو المستشفى أشبه بسوقٍ شعبية منه بعيادة طبية.

وهنا أرى أنّ من واجب المستشفيات التحقّق من الوسطاء قبل التعاقد معهم، ووضع قواعد واضحة للتعاون. ويخدم ذلك من جهة ضمان ترجمة مؤهَّلة، ومن جهة أخرى الحفاظ على قواعد داخلية معيّنة. فلا بدّ من إرساء قواعد داخلية واضحة حتى لا يتعارض علاج المرضى الأجانب مع علاج المرضى المحليين.

كما يجب إبلاغ المرضى الأجانب ببعض القواعد. فكثير من المرضى المحليين ينزعجون من كثرة المرضى الدوليين. ويعود ذلك من جهة إلى بعض الاختلافات الثقافية، ومن جهة أخرى إلى الشعور بأنّ المرضى الأجانب الدافعين من مالهم الخاص يحظون بمعاملة تفضيلية.

وهنا لا بدّ من قيام حوار بين المستشفى والمرضى من أبناء المنطقة. وينبغي الإعلان بوضوح عن استعداد المستشفى للحوار، إذ يمكن الحديث عن أسباب السياحة العلاجية وآلياتها وفوائدها، وبيان أنّ المرضى المحليين يستفيدون منها بدورهم.

الخلاصة

إلى جانب وظائف الرقابة التي تضطلع بها الأجهزة الإدارية في المستشفى، تأتي العناصر الاستراتيجية لقيادة المؤسسة. ولا يكفي إلقاء هذه المهام على عاتق قسمٍ متخصّص. فهذا القسم يجب أن يكون موجوداً وأن يؤدّي جزءاً كبيراً من العمل، لكنّ بعض الوظائف لا يمكن أن تتولّاها سوى الإدارة العليا. وإدارة مستشفى ليست بالأمر الهيّن قطعاً، لكن ينبغي أيضاً إيلاء علاج المرضى الدوليين ما يستحقّه من اهتمام، تفادياً للنزاعات وضماناً لأفضل النتائج العلاجية الممكنة ولعملٍ خالٍ من الفضائح.